كيف سعت المملكة السعودية إلى محو تاريخ العوامية؟

13 Aug 2017

نشرت صحيفة "لي أوكي ديلا غويرا" الإيطالية تقريرا، سلطت من خلاله الضوء على المناطق الواقعة على سواحل الخليج الفارسي، التي أصبح تاريخها الحضاري و تراثها الثقافي مهددين جراء الصراعات. و لعل منطقة العوامية هي أكثر منطقة يحدق بها خطر الاندثار، حيث تسعى السعودية إلى الضغط عليها من الناحية العسكرية؛ لطمس هويتها.

و قالت الصحيفة، في تقريرها، إن سكان منطقة العوامية يشهدون اليوم اندثارا تدريجيا لتاريخ منطقتهم؛ بسبب الممارسات العسكرية التي تفرضها عائلة آل سعود. في الواقع، تعدّ هذه المنطقة ذات أهمية تاريخية و إستراتيجية كبيرة بالنسبة للمملكة. و يعود الفضل في ذلك إلى موقعها الجغرافي، و تاريخها الديني و الثقافي، الذي من شأنه أن يجعلها هدفا واضحا لعائلة آل سعود، شأنها شأن العاصمة اليمنية صنعاء.

و أفادت الصحيفة بأن منطقة العوامية، الواقعة في محافظة القطيف على مقربة من الساحل الشرقي للبلاد، تعيش على وقع "غضب" عائلة آل سعود، منذ أوائل سنة 2017. فمنذ عدة أشهر، أمرت الرياض بفرض الحصار على كافة أراضي المنطقة، التي تتضمن العديد من المواقع الأثرية التي تشهد على ديناميكيتها التاريخية، فضلا عن هدم المنازل و المساجد في مركزها التاريخي "المصارة".

و تجدر الإشارة إلى أن المركز التاريخي، المصارة، لا يعدّ فقط من أهم المعالم التاريخية التي تتميز بها المحافظة، بل ينم أيضا عن مجموعة كبيرة من الأدلة التاريخية التي تثبت عراقة العوامية و أهميتها. أما اليوم، فيبدو أن هذه المدينة دمرت بالكامل بسبب التفجيرات.
و في هذا الصدد، أفاد مصدر رسمي تابع للقوات الخاصة السعودية بأن التفجيرات أجبرت ما يربو على 20 ألف ساكن على ترك منازلهم.

و بينت الصحيفة أن الرياض تسعى إلى تدمير معالم مدينة العوامية؛ قصد إعادة إعمارها بالمساكن الحديثة، و بعلّة العمل على توفير وسائل الراحة المتطورة لفائدة سكانها، و ذلك وفقا لما نصت عليه الوثائق الرسمية. و لتحقيق مبتغاها، أوكلت الرياض مهمة إعادة تهيئة المصارة إلى الشركات الخاصة، التي ستقوم بدورها بتشييد منازل جديدة و مركز تسوق، على الرغم من رفض السكان و مقاومتهم.

و أضافت الصحيفة أن السلطات المركزية السعودية شرعت في تنفيذ مخططها بطريقة غير مباشرة و غير مشكوك فيها، تمثلت في تعيين موظفين في تلك المنطقة؛ لبدء أشغال إمدادات المياه و الكهرباء، قبل إرسال الفرق الأمنية و انطلاق عمليات الهدم.

و على خلفية هذه الأشغال، اضطر العديد من السكان إلى مغادرة منازلهم و التوجه إلى أماكن أخرى. و مع ذلك، شهدت السلطات السعودية مقاومة من بعض السكان، الذين رفضوا ترك منازلهم؛ لكن الرياض لم تتوان عن فرض الحصار، و الإقدام على خطوة الترحيل القسري، التي لا تزال جارية.

و ذكرت الصحيفة أن وراء هذه الوثائق الرسمية و الادعاءات الزائفة تقبع رغبة دفينة في ضرب الأقلية الشيعية الموجودة هناك. في الحقيقة، لا تقل عمليات الهدم و القتل -التي نفذتها الرياض لمعالم يعود تاريخها إلى خمسة قرون- وحشية عن العمليات التدميرية و الوحشية التي نفذتها التنظيمات الإرهابية في كل من تدمر و أفغانستان.

و بالتالي، تسببت جميع عمليات الهدم و التدمير في محو رمزية تلك المعالم، و تجريد سكان تلك المناطق من تاريخهم. و لكن، في حين كان دافع الرياض "الحداثة"، اتخذت التنظيمات من الذرائع الدينية وسيلة لتبرير جرائمها.

و ذكرت الصحيفة أن الرياض تدّعي أن ما تفعله في منطقة العوامية باسم "الحداثة"، لكنها في الحقيقة ترغب في ضرب الأقلية الشيعية الموجودة هناك منذ عدة قرون، علما بأن محافظة القطيف، خاصة العوامية و المصارة، كانت أول من رحب بالطائفة الشيعية.

و أضافت الصحيفة أن الرياض تعتزم محو كل ما من شأنه أن يرمز إلى الطائفة الشيعية الموجودة في محافظة القطيف، سواء من الناحية التاريخية أو الثقافية، و هذا يوضح مشروعها التدميري الذي ستجسده العمليات العسكرية.

و ذكرت الصحيفة أن محافظة القطيف تعدّ بمثابة المرض الخبيث الذي يجب على عائلة آل سعود استئصاله؛ فقد أصبحت محافظة القطيف تثير القلق في المملكة منذ تولي آل سعود مقاليد الحكم.

و أضافت الصحيفة أن الاحتجاجات الأولى، التي نفذها شيعة القطيف سنة 1980، دفعت الرياض إلى إعادة النظر في سياسة التمييز و المقاطعة التي بدأتها. و اتخذت هذا الإجراء لأنها وجدت أنه من غير الصائب أن تقاطع إحدى أغنى المناطق بالنفط، الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها و سياستها. و أفضت هذه الاحتجاجات إلى اعتراف الرياض بالأقلية الشيعية، و إبرام اتفاق سنة 1993، الذي يتضمن وعودا بتخصيص إصلاحات لهذه المنطقة.
و أوردت الصحيفة أن الثورات العربية، و ما تبعها من توتر في الشرق الأوسط، كانت السبب الرئيسي لتغير سياسة الرياض تجاه هذه المحافظة. فخلال هذه السنوات، ساهم التوتر بين إيران و السعودية في تعزيز قرار آل سعود بقطع العلاقات مع شعب القطيف، و إعدام الزعيم الشيعي نمر النمر و بعض القادة الآخرين.

و في الختام، نوهت الصحيفة بأن مخاوف الرياض ساهمت في تدمير تاريخ هذه المنطقة، علما بأن هذا السيناريو لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي تعيشه صنعاء، حيث قصفت الطائرات السعودية أجمل مبانيها، و محت تاريخها.
-------------------------------------
مورو إندلكاتو - لي أوكي ديلا غويرا
عربي 21